عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
236
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
اللّه تعالى ودلاني الرفرف الأخضر الذي كنت عليه وجعل يخفضني ويرفعني فأهوى بي إلى جبريل وارتفع الرفرف حتى غاب عني فقال جبريل أبشر يا محمد فأنت خيرة اللّه من خلقه وصفوته من البشر ولقد قربك الرحمن إليه من قرب عرشه مكانا لم يصل إليه أحد من أهل السماوات والأرضين فحمدت اللّه على ما اصطفاني به وأكرمني ثم قال : انطلق يا محمد إلى الجنة حتى أريك ما لك فيها فتعرف إلى م يكون معادك بعد الموت فتزداد بذلك في الدنيا زهدا إلى زهدك ورغبة في الآخرة إلى رغبتك فسرت معه فهوى بي أسرع من السهم حتى وصلنا بإذن اللّه تعالى إلى الجنة فأقبل رضوان خازن الجنان وخلفه رقيائيل مع كل واحد منهما ألف ألف ملك رافعين أجنحتهم ورؤوسهم يشيرون إلي بالأصابع يقولون لقد أكرم اللّه هذا النبي الأمي مرحبا بك يا جبريل وبمن معك ، وفي رواية أقبل رضوان معه ملائكة الحجب ووجوههم كالقمر ليلة البدر يفوح ريح المسك من ثيابهم مكللون بتيجان من نور مناطقهم من صفائح الزمرد فقلت ما أحسن هؤلاء يا جبريل فقال : والذي بعثك بالحق إن أمتك إذا اتقوا اللّه وسلموا من الدنيا كانوا في الجنة أحسن منهم فلما دخلتها هدأت نفسي وذهب روعي فما ترك فيها مكانا إلا رأيته فرأيت قصورا من الدر والياقوت والزبرجد والأشجار من الذهب الأحمر وقضبانهن من اللؤلؤ وعروقهن من الفضة راسخة في المسك ورأيت شجرة ساقها في كثافة لا يعلمها إلا اللّه تعالى وأن أغصانها لأكثر من نبات الأرض وأن الواحدة من ورقها لتغطي الدنيا وعليها من أصناف الخير ضروب شتى فقلت يا جبريل ما هذه الشجرة ؟ قال لك ولأزواجك ولأولادك وكثير من أمتك وتحت هذه الشجرة ملك كبير وعيش عظيم ورأيت نهرا يجري من أصلها أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل على رضراض من در وياقوت ومسك أبيض فقال جبريل هذا الكوثر الذي أعطاك ربك وهو التسنيم يخرج من تحت العرش إلى دورهم وقصورهم ثم سار بي إلى شجرة أخرى فإذا ورقها حلل طرائف من ثياب الجنة بين أحمر وأبيض وأصفر وأخضر وثمارها أمثال القلال في ألوان شتى وروائح شتى فقلت يا جبريل ما هذه الشجرة ؟ قال هذه التي ذكرها اللّه تعالى بقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [ الرعد : 29 ] هي لك يا رسول اللّه ولكثير من أمتك ولك فيها حسن مقيل ونعيم طويل ، ثم انطلق بي يطوف في الجنة فإذا قصر من ياقوتة حمراء في جوفه سبعون ألف قصر في كل قصر سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألف بيت في كل بيت سبعون ألف خيمة من درة بيضاء لها أربعة آلاف باب يرى باطن تلك الخيمة من ظاهرها وظاهرها من باطنها في جوفها سرر من ذهب لذلك الذهب شعاع كشعاع الشمس وهي مكللة بالدر والجوهر وعليها فرش من سندس فوق تلك السرر حلي كثير لا أطيق صفته في كل قصر وبيت ودار منها شجر كثير مكلل سوقها الذهب وأغصانها الجوهر وثمرها مثل القلال في كل خيمة منها الأزواج من الحور العين لو أدلت إحداهن كفها من السماء لأذهب ضوء كفها ضوء الشمس فكيف بوجهها ولكل واحدة منهن سبعون ألف غلام خدمها سوى خدم زوجها كل ذلك مفروغ منه ينتظر